|
-تمهيد: لا يحق لي بدء الكلام ولما أبسط يد الشكر والامتنان بين يدي من كان لديه مبلغ قصدي ومنتهى رجائي؛ إذ سألت فأجاب وكانت طلبتي، أستاذي الجليل عبد الرزاق جعنيد. وما حملني على البحث في "الحقيقة والمجاز" إلا هوى في نفسي أبديته لبلاغة العرب مذ لاح لي سحر بيانها وعقلته في كتابها وديوانها وسائر الكلم فيها. وقد زادنيه صبابة فيض ما شاع في أيامنا هذه من الدرس والكشف عن خبيء اللغة وغورها، في سهل الأرض ووعرها، بعد أن تعذرت معرفة اللإنسان دونها؛ حيث أجمع القوم أن "الأسلوب هو الرجل"، فراحوا حينها لهافاً ردفها عساهم يجدون ذواتهم في منتهاها. وما أعظم أن يلقى المرء ضالته وما أقدره! وكأي من مسائل البلاغة العربية منذ نشأتها الأولى كانت مبعث كثير من المناظرات، ومثار عديد من اللجج والخصومات، زخم من الأسفار والمجلدات لا سبيل له إلى تسويدها على بياضه واحتوائها بين دفتيه. وهذا شأن مسألة "الحقيقة والمجاز"؛ فقد قيل فيها ما قيل، وتضاربت حولها الرؤى والأفكار ردحاً من الدهر ليس بالقصير، وقد انتصر من انتصر، وغلب على أمره من غلب، وبلغ ما بلغ، وضاع ما ضاع. وإذا كنت قد أزمعت البحث في هذا الموضوع، فلأني أعلم يقين العلم أن له من الأهمية والقدر ما لغيره من المواضيع البلاغية التي نعرف ولا نعرف على مدى الأحقاب والأزمان.وما أكثر ما نجهل – بغياً – منها. وأعلم كذاك أنه لا حيلة لي في أن أختصر وأوجز القول فيها قدر قدرتي وجهد طاقتي، وإلا كنت كمن يبغي شرب البحر، وهذا محال، وأي محال! هذا يشفع لي اختياري المنهج الوصفي منهجاً لمثل هذا البحث الأولي الذي يتغيى – كالطفل الذي يحبو على أربع قبل أن ينتصب على اثنتين ويرمي بطرفه نحو الآفاق – أن يضع يده على الخطوط العريضة لهذه المسألة في تراثنا النقدي قبل أن يمضي في تتبع مواطن أجزائها العميقة على هدى المناهج المتطورة المستحدثة. وأول الأشياء التي وقفت عائقاً في وجه هذا البحث هذا الكم الهائل من المصنفات القديمة التي كانت لها – من قريب أو من بعيد – صلة بهذا الموضوع، حتى لقد احترت في أيها أعتمد مستجيبة لغرضي. كما أن عنائي في البحث دون جدوى عن كتاب (المحتسب في علم شواذ القراءات) لابن جني قد كان له أثر على تقدم الدراسة، وإن كان كتابه الثاني (الخصائص) يفي بالغرض. وبدءاً من هذا وختاماً فيه، فقد قسمت البحث إلى مدخل عام وفصل وخاتمة، رغبة مني في أن أتناول في المدخل جانبين: جانباً يرتبط بتحديد لفظتي "الحقيقة" و"المجاز"، في لغة العرب وفي اصطلاحهم، لدى لغوييهم وبلغائهم الأفذاذ.وجانباً يتعلق بتحديد الحقبة الزمنية والظروف التاريخية التي كانت وراء تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، مع الإتيان بتباين الآراء في هذا المضمار. أما الفصل فقد جاء على شاكلة مناظرة يكاد يسمع منها لجاج متناظرين وحكم فيصل بينهما قد جمعهم مجلس حول سؤال الحقيقة والمجاز. كل ينتصر لشيعته ويحاول إفحام خصمه والنيل منه. ولقد تقاسمته ثلاثة أبواب: باب أول فيمن يقول بمجازية اللغة العربية، ممثلاً في شخص ابن جني؛ وباب ثان فيمن يكذب قوله ويذر الرماد في عينيه بقوله: إن لغة العرب حقيقة وحسب، ممثلاً في شخص ابن قيم الجوزية؛ وباب ثالث خصصته لرأي السيوطي الذي هدأ من شجار هذه المناظرة حين قال قولاً فيصلاً: إنما اللغة حقيقة ومجاز. معتبراً في ذلك حجج وتبريرات كل واحد على حدة. أما في الخاتمة، فقد حاولت إبراز قيمة دراسة هؤلاء العلماء للمسألة قيد الدرس. ويبدو أنني قد تلمست العون في بحثي هذا بمجموعة من المصادر القديمة وقليل من المراجع الحديثة؛ حتى أعود إلى حيث بداية التقسيم، وأعود نفسي على محك النقد القديم، سائحاً في عالم لا تحده الحدود، ويطيب في فسحته الشرود، والله ولي التوفيق. -مدخل: في المعجم والبلاغة من الحلم ولوج البيوت من أبوابها، وللكلمة بابها، وبابها تعريفها. لا ريب، فمعاجم العربية وقواميسها تكاد تحد لفظتي "الحقيقة" و"المجاز" حداًّ سواء. وكيلا يأخذنا ركب الكلام كل مأخذ فينوء به ضيق المقام، إذا ما نحن قصدنا قصداً فتصفحناها جميعاً، حسبنا (لسان العرب) ننظر فيه كفاية عن غيره من المصنفات اللغوية؛ نظراً لما له من عظيم القيمة، وما لصاحبه من جليل اليد ورفيع القدر. يقول ابن منظور (ت 630 هـ) في باب "الجيم" تحت لفظة "جوز": "جزت الطريق وجاز الموضع جوزاً وجؤوزاً وجوازاً ومجازاً وجاز به وجاوزه جِوازاً وأجازه وأجاز غيره وجاوزه: سار فيه، وسلكه، وأجازه: خلفه وقطعه، وأجازه: أنفذه؛ قال الراجز: خلوا الطريق عن أبي سياره***حتى يجيز سالماً حماره وقال أوس بن مغراء: و لايريمون للتعريف موضعهم***حتى يقولوا: أجيزوا آل صفوانا يمدحهم بأنهم يجيزون الحاج، يعني أنفذوهم. والمجاز والمجازة: الموضع. الأصمعي: جزتُ الموضع سرتُ فيه، وأجزته خلفته وقطعته، وأجزته أنفذته؛ قال امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي، وانتحى***بنا بطن جنت ذي قفاف عقنقل ويروى: ذي حقاف. وجاوزت الموضع جوازاً، بمعنى جزته. وفي حديث السراط: فأكون أنا وأمتي أول من يجيز عليه؛ قال: يجيز لغة في يجوز جاز وأجاز بمعنىً؛ ومنه حديث المسعى: لا تجيزوا البطحاء إلا شداًّ."(1) ويقول في باب "الحاء" تحت لفظة "حق": "وحق الأمر يحِق ويحُق حقاًّ وحقوقاً: صار حقاًّ وثبت (...) وقيل الحقيقة: الراية، قال عامر بن طفيل: لقد علمت عليا هوازن أنني***أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر. وقيل: الحقيقة الحُرمة، والحقيقة الفِناء."(2) فـ "الحقيقة"، إذن – بإجماع أرباب اللغة – هي الثبات والسكون على حال واحدة، في حين، تدل كلمة "المجاز" – على خلاف منها – على الحركة والتنقل من حال إلى حال ثانية. لذا، صارت "الحقيقة" جوهراً معافىً لثباتها، و"المجاز" غدا عرضاً مبتلىً لتغيره. غير أنه كان – مذ علمه العربي في كلامه وطاب على على لحمة لسانه فتحدث ملياًّ به – أبلغ وأوقع على سمعه وروعه. ولعل الشعر – ومن قبله آي الذكر الحكيم – أفصح شاهد وأصدقه على هذه المزية وهذا الفضل. ولا عجب، فهذا أمر بديهي في أمة أعجزت ببيانها الأمم، ونالت بنجيبه قصب السبق غداة الرهان. هذا من جهة المراد اللغوي، أما من جهة الاصطلاح البلاغي، فلنا في عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) قول فيهما بما عقده في ذرته العصماء (أسرار البلاغة) من كلام قسم فيه "الحقيقة" و"المجاز" تقسيماً عجيباً يشد مجامع الألباب – شأن سائر تقسيماته البيانية الأخرى – يلمس القرأةُ له، ولأول وهلة، أنه – بحق – شيخ البلاغة ولا فخر، بل حقيق به الفخر أن كان شيخها الذي يغض في حضرته، وحقناه أن كان رجل مثله بيننا. ففي تعريفه للحقيقة يقول: "كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع – وإن شئت قلت: في مواضعة – وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره فهي حقيقة."(3) وفي تعريفه للمجاز يقول: "وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز. وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز. ومعنى الملاحظة هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن، إلا أن هذا الاستناد يقوى ويضعف."(4)، وفق حدة أو لين الشبه بين المعنى الأول والمعنى الثاني، وهو ما يسمه الجرجاني باسم "معنى المعنى"، أو "المعاني الثواني"، ووفق تعالي الأخيلة وفرعها السماء أو تهاويها وسقوطها إلى درك الحضيض. هذا برض من عد (5) أغنانا عن تسويد جميع الاصطلاحات بخصوص لفظة "الحقيقة" ولفظة "المجاز"، وكفانا أذى الضلال في متاهات التضارب في النظر والتعريف تبعاً لتباين المناهل المعرفية فيما بين المدرسة الأدبية أو طريقة العرب البلغاء ورأس حربتهم عبد القاهر الجرجاني، وبين المدرسة الكلامية أو طريقة العجم وأهل الفلسفة وعلى عتبتها يقف أبو يعقوب السكاكي (ت 626 هـ) الذي استهوته التحديدات المنطقية التي لا طائل مجد تحتها؛ رغم تعددها للفظ الواحد، ظلت واحدة ولم يبن البعض منها عن البعض جملة وتفصيلاً، فراح يقتفي مواطئها يحمله الذهول حملاً ويجوب به الأمصار. وهذا ما جنى على البلاغة العربية فيما تلا القرن الخامس للهجرة، وغمَّس ناصيتها الغراء في ويل من السفسطة والتحليلات الفلسفية، فكان أن هوى صرحها العتيد ولم تقم له بعد ذلك قائمة؛ مما نأى بها قروناً عدةً عن زمن الذوق والطبع. وهذا ما نعاه عليه من جاء تلوه شارحاً وملخصاً لمتونه؛ وليس غير الخطيب القزويني ( ت 739 هـ) من نقصد به في المقام الأول. بيد أن تحديداتهم كافة تبقى تحديداً واحداً في جوهرها، وما تلك الخلافات إلا أعراضاً علقت به ما تفتأ تذهب ذهاب الزبد. وإذا كانت "الحقيقة" تعني في اللغة الثبات في المكان، فإنها تعني في البلاغة الثبات في حوزة اللفظ لا حِول عنه لها. وإذا كان "المجاز" يدل في اللغة على التنقل من مكان إلى مكان، فإنه يدل في البلاغة على السفر باللفظ من معنىً إلى معنىً. -زمن التقسيم: ليس من شيمة النقد والبلاغة – وليس عيباً – القول الواحد في المسألة الواحدة. فلت تلغ الكتب النقدية والبلاغية حول تعيين زمن تشطير الكلام إلى طودين عظيمين: طود الحقيقة، وطود المجاز، بكلمة جامعة؛ فمن قائل بحدوثه في القرن الرابع للهجرة، ومن قائل بشيوعه إبان القرن الذي قبله. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) يلح أشد ما يكون الإلحاح في نفيه أن يكون السلف من الصحابة وحماة الدين وجهابذة القيل كأبي حنيفة (ت 150 هـ)، وأبي عمرو بن العلاء المازني (ت 154 هـ)، وسفيان الثوري ( ت 161 هـ)، والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ)، ومالك بن أنس ( ت 179 هـ)، ثم سيبويه ( ت 180 هـ)، على علم بشيء من ذلك، كثر هذا الشيء أم نذر، قبل خلو أربعة قرون من التاريخ الحنيف، وإن أومأ بعد إلى هلول تباشيره في غرة القرون الثلاثة الأولى؛ فلنصغ إليه وهو يقول: "إن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجوداً في المائة الثانية، اللهم أن يكون موجوداً في أواخرها."(6) وقد رد زعمه هذا على أعقابه شرذمة من الباحثين(7) اليوم بعدما استقصوا الدرس وانتهى بهم إلى أن هذا التقسيم إنما هو من رحم ومربى نهضة القرن الثالث الهجري قبيل أن يصير إلى ما صار إليه فيما تلا من الحؤول والأعوام. بيد أن ابن تيمية ومن ذكرنا من النقدة والبلاغيين المعاصرين ذكروا جميعاً أن دولة المعتزلة أول من قسم هذه القسمة واحتضنها. ومن دون المعتزلة من له الحول والقدرة على هذا المنحى وهذه الكفالة؟ وهم الذين نوه بذكرهم غير ما مرة بحر بن عثمان الجاحظ ( ت 255 هـ)، وخلد في العالمين خبرهم، فقال في حقهم: "إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة، لهلكت العوام من جميع النحل."(8)؛ حيث هبوا يتقلدون المنطق والجدل للذود عن حرمة الإسلام من هجمات البدع والضلال في غمرة حشد عرمرم من الفرق الإسلامية وغير الإسلامية: جبرية ومرجئة وخوارج وشيعة ويهود ونصارى... وقد كان لزاماً عليهم وبوعي منهم، قبل أن يغشوا سجال المجالس وجدال المناظرات، أن يكونوا أصحاب خطابة وبيان، منذ واصل بن عطاء (ت 235 هـ)، وإبراهيم النظام (ت 221 هـ)، دون أن نغفل ذكر الجاحظ، ومتى كنا جاهلين حتى نفعل ذلك؟ وبلغوا في ذلك مبلغاً خولهم أن يتسنموا علياء البيان العربي، إعترف لهم بذلك كل من حل عندهم ومر بهم من العلماء شتى منهم شوقي ضيف(9)، وأحمد أبو زيد(10)، وأحمد أمين الذي يقر به في كتابه (ضحى الإسلام) قائلاً: "فللمعتزلة الفضل الأول في وضع الأسس الأولى لعلم الكلام وعلم البلاغة، وعلم الجدل والمناظرة..."(11) لهذا تراهم قد طفقوا – وما تحرجوا وما أصابهم الوهن يوماً – يسبرون أغوار المسكوت عنه رغم مناوءة أهل السنة لهم، ماضين في القرآن تأويلاً، وفي صفات الله تنزيهاً عن شوائب التشبيه والتجسيم، فكان أن عنَّ لهم مبحث المجاز بغية أن يخرجوا ما تشابه من الآيات مخرج الباطن لا مخرج الظاهر حالما أثبت العقل لديهم "(...) معارضة إدراك الألوهية على أساس التشبيه الحسي."(12) فعلموا وأعلموا الأنام أن يد الله ليست باليد، بل هي الأعطية والسخاء، واستواءه ليس على ما عهد من الهيئة، بل هو القهر والجبروت، وهكذا دواليك في غيرها من الأوصاف السلبية التي عدوها في سبع: العلم، والحياة، والقدرة، والإدارة، والسمع، والبصر، والكلام. فهي وذات الله سواء. وما كانوا لينفذوا في هذه الأقطار لإفحام الخصوم والأعداء وإشراقهم بالماء لولا سلطان المجاز الذي نصبوه حينئذ "(...) ركيزة من ركائز الإعتزال الهامة، فهو عمدتهم في تثبيت مذهبهم والدفاع عنه، وهو تكأتهم في التوفيق بين آرائهم وأصولهم، وبين نصوص القرآن والحديث. "كان حرصهم على تثبيت عقيدتهم في التوحيد والتنزيه الإلهي، من جملة الدوافع التي دفعتهم إلى البحث في المجاز اللغوي وتعميقه. كما كان لتصديهم لحملات الشعوبيين والزنادقة على القرآن، بالطعن في ألفاظه ومعانيه، أثر كبير في توجيه عنايتهم لبحث مجازات القرآن."(13). يعملون في ذلك، من جهة، الاحتجاج النظري، ومن جهة، الدراسة العلمية والتحليل الدقيق، وعلى هذه أقام جار الله الزمخشري (ت 538 هـ) تفسيره المسمى (الكشاف). حتى وإن كان أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) أول من خرج على الناس بلفظ المجاز لما صنف كتابه (مجاز القرآن) عام ثمان وثمانين ومائة للهجرة، بإيعاز من سؤال إبراهيم بن إسماعيل الكاتب إياه في حضرة الفضل بن الربيع عن قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين) (14)، فأجابه بأن هذا الوجه من العبارة القرآنية موجود في كلام العرب تنطق به؛ يقول امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي***ومسنونة زرق كأنياب أغوال وعلى مثل هذا، جاء كتابه؛ يسرد الآية من القرآن، ثم يعززها بقول على شاكلتها من شعر أو مثل... ولكن أبا عبيدة لم يكن يقصد به سوى ضروب التعبير التي يأتي القول عليها، لا ما تعورف فيما بعد في أبواب البيان حيال التشبيه والكناية من مجاز عقلي ومجاز لغوي بطرفيه: الاستعارة والمجاز المرسل. علاوة على كون المجاز وسيلة من وسائل الاستدلال المنطقي لردع متربصي الزعامات الذين يظنون بأنفسهم القدرة على النيل من القداسة القرآنية، وهيهات ذلك، فلقد ألفى شعراء التجديد في جهر المعتزلة بالمجاز مفزعاً إليه يفزعون وبه يتنصلون من قيود "أزمة المعاني" التي طالت الشعر العربي خلال القرن الثاني للهجرة، ومن ثم، عهدوا على أنفسهم أن يعيشوا في كنف المذهب الاعتزالي، حتى إذا أنسوا به، أرخوا العنان لخيول الخيال تركض بجموح وتسابق الريح.(15) كما أن للمجاز فوائد لغوية فنية "وهذي الفوائد قد قررها العرب فذكروا أن استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان أو لمساعدة في وزن الكلام نظماً ونثراً، والمطابقة والمجانسة والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام."(16)، وفوائد أخلاقية نفسية نستشفها من قول ابن الأثير: "وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال المستغني إلقاء العصا والحبال."(17) لم يكن، إذن، ضرباً من الخطل والمجازفة القول بالمجاز قسيماً للحقيقة وإلا لما صار "(...) مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت."(18) ما دامت الألفاظ محدودة، والمعاني غير محدودة. والمجاز، زد على هذا وذاك، آية من آيات الإعجاز القرآني الذي بهر مدره القوم (19)، ودعاه أن يتمثل به فأعوزه التمثل، وأنى له ذلك؟ لقد اقتضت سنة الحياة أن يتجدد معينها حيناً بعد حين كيلا يركد فيتسنه ويفنى ما فيها. كما اقتضت، في كل جدة، أن تجد أمامها ما يحجز طفوحها. لذا، لم تسلم ذمة المعتزلة من القيل والقال – ورضى الناس شيء لا ينال – فقد سلقتهم ألسنة أهل السنة (20) طوال عيشهم وبعد ذهابهم، هؤلاء الذين ينكرون على كل من يحكم العقل ويتكلم بالرأي، فحاربوا المجاز أيما حرب لا لشيء إلا لأنه من حديث خصومهم: المعتزلة "بيد أن هناك من أنكر المجاز في اللغة منهم: الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني، والأستاذ أبو علي الفارسي أستاذ ابن جني وابن القاص. ومنهم من أنكر المجاز في القرآن بخاصة عد منهم ابن القاص الشافعي وابن خويز منداذ المالكي وداود الظاهري وابنه، وأبو مسلم الإصبهاني..."(21) واحتق الفريقان ولجا في الشتم والسباب؛ هذا يطغِّي على اللغة المجاز، وذاك يضفي عليها صبغة الحقيقة، حتى قدم ثالث يصرخ فيهما صراخاً فيصلاً: إنما اللغة حقيقة ومجاز، فحط أوزار الشجار. وقد مثلنا للفريق الأول بأثقبهم عقلاً: أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ)، وللفريق الثاني بمن تصدى له ورد عليه قولاً قولاً: ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)، وللفريق الثالث بجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ). هذا إذا شئنا أن نرد نهم أنفسنا ونقنع بالقليل، أما إذا رغبنا في المزيد، فسوف لن نشبع ولن نحيد حتى نقتم ما على الخوان. فلنستهلن كلامنا، إذن، بحديث ابن جني، ولنثنينه بحديث ابن قيم، ولنثلثنه بحديث السيوطي. -الباب الأول: اللغة مجاز: يميز ابن جني الحقيقة من المجاز في الكلام العربي، ويغلب قسطه على قسطها منه، وسنده في ذلك "الاستعمال" أو "الإنجاز". فإما أن يحصل الاستعمال وفق أصل المواضعة اللغوية(22)، فتكون الحقيقة تارة، وإما أن يتم الحياد عنه اتساعاً وتوكيداً وتشبيهاً فيكون المجاز وتكون شجاعة العربية تارة أخرى. مطايا ثلاث هي لا مندوحة عنها كاملة لمن يتشوف إلى "الكلام السامي" وينوي الإدلاج قاصداً أرضه. وهذا ما يبدو جهرة فيما فعله شاعر حين أنشد بيتاً له قائلاً: شكوت إليها حبها المتغلغلا***فما زاد شكواي إلا تدلالا(23) فطلب الاتساع في اللغة – وللاتساع فضل على أدب المتأدبين – بأن نعت "حبها" وهو حدث بـ "التغلغل" وهو نعت للجواهر ذوات الحركة، وطلب التشبيه بأن أحدث المشابهة بين ما البلاء طاريء عليه وبين ما لا يلحقه. ثم طلب التوكيد بأن سما بالعرض إلى مدرج الجواهر. ولربما صح تقسيمنا تجوز الكلام في حديث ابن جني عنه إلى أقسام نعددها كما يلي: أ-تجوز الأفعال ب-تجوز الأسماء ج-تجوز الحذف د-توكيد المجاز هـ-ما ليس من باب المجاز أ-تجوز الأفعال: لقد تحدث ابن جني أول ما تحدث عن الأفعال وأبان عن تجوز أكثرها؛ لأنها تفيد معنى الجنسية "والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الآتي..."(24). وضرب لهذا مثلاً: -قام زيد -قعد عمرو -جاء الصيف -انهزم الشتاء فالأفعال: "قام" و"قعد" و"جاء" و"انهزم" قد آلت إلى ملكوت المجاز محمولة على الموضوعات: "زيد" و"عمرو" و"الصيف" و"الشتاء"، فدلت – حال حملها – على معاني الجنسية: -قام Z القيام -قعد Z القعود -جاء Z المجيء -انهزم Z الانهزام لذا، صار باطلاً أن يقول قائل على الحقيقة: كان من زيد جميع القيام، أو من عمرو جميع القعود، أو من الصيف جميع المجيء، أو رام الشتاء جميع الانهزام. وهي جميعها على سمت المجاز أبداً؛ إذ تم "(...) وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير"(25) وقد استطرد ابن جني موضحاً جنسية الأفعال هذه ومن ثم تجوزها أن هذه الأفعال وغيرها كثير في مكنتها استغراق سائر معمولاتها الدالة عليها دلالة مطابقة. وهذا ما يسوي قولنا: "قمتُ قومة، وقومتين، ومائة قومة، وقياماً حسناً، وقياماً قبيحاً.". في حين، يشين قولنا: "قمتُ جلوساً، وذهبت مجيئاً". وهذا الحكم لا يجري فحسب على أفعال الناس ويقصر عليها، وإنما يتعداه إلى أفعال الله ويصدق عليها؛ فهو سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض على جهة الحقيقة، وإلا لكانت فواحش البشر من مشيئة شأنه، حاشاه ذلك، كيف الظن به وهو صاحب العدل الأعدل(26). وهو، زد على هذا، لا يساوى علمه بجميع الأحوال والأشياء ولا يتكافأ: فعلمه بقيام زيد ليس هو عينه علمه بقعود عمرو. ولم يكن بدعاً من ابن جني القول بتجوز الأفعال، فلعل شيخه أبا علي الفارسي – فيما حكاه عنه ثبتاً لصحة قوله وتأكيداً على شيوعه لدى غيره – قد فاه بكلمة تعضد هذا الذي ذهب إليه تلميذه من أمر الأفعال؛ فهو يوازي بين قولنا "قام زيد"، وبين قولنا: "خرجت فإذا الأسد"؛ لاشتراكهما في معنى الجنسية اتساعاً وتوكيداً وتشبيهاً، "فأما الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد. وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد، بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة. وأما التشبيه فلأنك شبهت الواحد بالجماعة، لأن كل واحد منها مثله في كونه أسداً."(27). وهذا ما ختم عليه بخاتم المجاز. ب-تجوز الأسماء: وقد يطال الفاعل طوراً، والمفعول طوراً آخر. وللتمثيل على هذا الضرب من التجوز، أورد ابن جني هذا النحو من الكلام: -قطع الأميرُ اللصَّ فالفاعل: "الأمير" متجوز من ناحية كون فعله: "قطع" بأمره لا بيده. والمفعول: "اللص" متجوز من ناحية كون القائل جاء بالكل "اللص" وأراد الجزء "اليد أو الرجل". وهل سمعت يوماً بقطع الكل؟ ومتى شئنا رفع المجاز عنهما أكدنا الفاعل بـ "عينه أو نفسه"، وأتينا في المفعول ببدل البعض: "يد أو رجل"، فنقول: -قطع الأمير نفسه يد/أو رجل اللص. فيحق حينئذ قولنا. ج-تجوز الحذف: نقصد به أساساً حذف المضاف الذي أربى – بحساب ابن جني – عن ثلاثمائة موضع في القرآن، ولم يستطع عده في الأشعار. ولقد اشترط فيه المعرفة به. فإنا في بيت القصيد: "عباس بن عبد المطلب"، من قول الشاعر متحدثاً عن إبل: صبحن من كاظمة الخص الخرب***يحملن عباس بن عبد المطلب قد نعمل فكرنا فيه دون جدوى فنفهم منه الأب لا ابنه عبد الله؛ مما يمج بالمعنى ويسلب الشاعر حقه الذي ما كان ليأخذ نفسه ويسلك هذا المسلك في الإيجاز والحذف لولا يقينه ببلاغة نظمه ووقوعه موقع استحسان من السمع والروع. د-توكيد المجاز: ليس التوكيد في اللغة العربية وقفاً على الحقيقة، بل هو مشاع أيضاً في المجاز، بل هو "(…) أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها."(28). وقد يكون بأسمائه مثل: "نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم وكليهما…"، كقول الفرزدق في هجائه جريراً: عشية سال المربدام كلاهما***سحابة موت بالسيوف الصوارم وقد يكون بالمصدر كما قال الشاعر: إذا البيضة الصماء عضت صفيحة***بحربائها صاحت صياحاً وصلت. وفي هذا النوع الثاني يدخل قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً)(29) هـ-ما ليس من باب المجاز: بعد هذا وذاك، ختم ابن جني حديثه في هذا الباب مستثنياً من اللغة وتجوزها قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)(30)، وأثبت حقيقته نافياً عنه المجاز "وذلك أنه سبحانه ليس عالماً بعلم؛ فهو إذاً العليم الذي فوق ذوي العلوم أجمعين. ولذلك لم يقل: وفوق كل عالم عليم؛ لأنه – عز اسمه – عالم، ولا عالم فوقه."(31) بالرغم من هذا الاستثناء، تبقى اللغة – في نظره – في أغلبها الأعم مسودة المجاز. -الباب الثاني: اللغة حقيقة يصعق ابن قيم لكلام ابن جني الآنف، وتنتفخ أوداج ظاهريته، فيرميه وشيخه أبا علي بالبدعة والضلال، ويسمى المجاز تسمية الطاغوت، ويبطل بالعقل والشرع واللغة قرانه بالحقيقة الذي أقام وأقعد له المعتزلة الدنيا؛ "فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقة كان أو مجازاً، فإن دلالة اللفظ على معناه – وليست كدلالة الانكسار على الكسر، والانفعال على الفعل – لو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم ولما جهل أحد معنى لفظ؛ والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه؛ وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز، ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك."(32) فغدت الأفعال بذلك والأسماء والتوكيد والحذف حقائق لا مجازات. أ-تحقق الأفعال: إنما الأفعال العربية تتحقق في كلام المتكلمين تحققاً مطلقاً يتنزه عن كل مراء قد يشوبها، ويتم تقييدها بقرائن شتى كاشفة عن دوالها المقصودة منها، فهي مجرد "إخبارات" عن أحوال الفاعلين لها، ولم تك قط جنساً شاملاً كل ما يدور في خلد السامعين من وهم المعاني وتنازع الدلالات. وهي، زد على هذا وذاك، ليست على درجة سواء بينها إزاء المفاعيل المطلوبة بها، بل على درجات ثلاث: 1-ظاهرية، وهي الواقعة على ظاهر الذات مثل: قام، وتكلم، وأحدث، وأبصر، وكتب... 2-باطنية، وهي الواقعة على باطنها مثل: فرح، ورضي، وغضب، وأحب، وأبغض... 3-ظاهرية-باطنية، وهي الواقعة عليهما معاً مثل: خلق الله زيداً وأوجده وكونه وأحدثه... يبرز هذا التحقق الفعلي في أفعاله سبحانه تعالى بروزاً جلياً لا يخالطه كدر؛ حيث يتساوى علمه بجميع الأحوال والمتعلقات في الوجود وفي العدم. لهذا، كان "الأسد" في قولنا "خرجت فإذا الأسد" حقيقة انتفت من جرائها دلالة العموم عنه، نظراً لكونه "(...) لا يصلح أن تخلف اللام فيه "كل"، نحو قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر)، ونحو قوله: (إن الإنسان خلق هلوعاً). ولهذا، صح الاستثناء منه؛ وذلك حيث لا يكون عهد القرينة والسياق دالاً على إرادة جميع أفراد الجنس."(33) ب-تحقق الأسماء: وقد أماط ابن قيم عنه اللثام وأبرزه للعيان من خلال قولنا: -ضربتُ زيداً حيث أكد أنه لا يجوز لزاعم أن يزعم فيه المجاز إلا إذا حدث وسمع عن العرب أنها أرادت به حين وضعه وقوع هذا الفعل "ضرب" على كل ما ظهر وما بطن من ذات المفعول، ثم آثرت بعد ذلك واختارت أن تستعمله في وقوعه على بعض منها، ولكنه لم يعرف مثل هذا، ولا قال أحد به في اللغة العربية ولا في ما جاورها أو نأى عنها من لغات البلاد الأخرى. ومن ثم، وجب إقرار حقيقة الأسماء ما دامت "(...) حقيقة هذا اللفظ الذي وضع واستعمل في كل لسان هي إمساس بعض المضروب بآلة الضرب؛ لا يعرف له حقيقة غير ذلك البتة."(34) ج-تحقق التوكيد: إذا كان ابن جني يجعل من ورود التوكيد في الخطاب العربي، وتخصيص النحاة له باباً مستقلاً لدرسه، أكبر دليل على مجازيته طالما آلت إليه سلطة رفع المجاز عنه، فإن ابن قيم يخالفه المنحى ويرى أنه أقوى إشارة على حقيقته؛ لأن المتكلم يأتي به عناية منه بكلامه وحرصاً على تمام وإفادة الرسالة بينه وبين مخاطبه. د-تحقق الحذف: لقد غالط ابن قيم ابن جني وأنكر عليه دعواه بتخلل مجاز ثنايا القرآن الكريم سماه مجاز الحذف؛ حذف المضاف، مما ألزم تقدير المحذوف لكمال المعنى وبيان المراد. إذ لا أثر له في قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها) (35) (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) (36) لا سيما وأن كلمة "قرية" تصدق على الساكن والمسكن معاً، فهي حقيقة فيهما كلاهما، وليست حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر؛ بسبب عدم صحة مخاطبة ما لا سمع له إلا على وجه التجوز. ولهذا، كان دون جدوى تقدير وتعيين "أهل القرية" عوض "قرية" كما في الآيتين أعلاه. وما دعوى التقدير في كلام لف بمعصم الإيجاز جيد البلاغة والفصاحة؟ فـ "(...) التقدير إنما يتعين حيث لا يصح الكلام بدونه، فأما إذا استقام الكلام بدون التقدير من غير استكراه ولا إخلال بالفصاحة كان التقدير غير مفيد ولا يحتاج إليه..."(37) فلماذا، إذن، القول بالمجاز وهو أخو الكذب، والكذب يحدث نفيه؟ ولماذا الحيف والإدعاء على لغة – كلغة العرب – المجاز وهي حقيقة كافية مكتفية بنفسها؟ -الباب الثالث: اللغة حقيقة ومجاز: بيد أن السيوطي لم يحكم لابن جني على ابن القيم، ولا قضى لهذا على ذاك، بل كان عدلاً في حكمه عادلاً أنصف العرب في لغتها. فالعربية لديه ما هي بالحقيقة ولا بالمجاز فحسب، بل هي الحقيقة والمجاز معاً، أتأمت بهما. في الواحد حياة للآخر.(38) عمدته في ذلك ما حكاه عن بعض العلماء، ذكر منهم فخر الدين الرازي، وابن برهان، والإمام عز الدين بن عبد السلام، وما أثر عن العرب سماعاً؛ حيث سلس على لسانها وحلى نظمها زخم من المجازات كأن تقول: "استوى فلانٌ على متن الطريق، ولا متن لها، وفلان على جناح السفر، ولا جناح للسفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق."(39) وكذلك ما عارض به رأي أبي إسحق الإسفراييني – أحد منكري المجاز في لغة العرب كلية لكذبه وما هو بالكذب – بخصوص مسألة وضع الحقيقة والمجاز، أيهما أسبق في الوجود؟ أكانت الحقيقة ثم أعقبها المجاز؟ أم كان المجاز ثم أردفته الحقيقة؟ حيث ذهب أبو إسحق إلى أن "العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد؛ فجعل هذا حقيقة وهذا مجازاً ضرب من التحكم. فإن اسم السبع وضع للأسد كما وضع للرجل الشجاع."(40). فرد عليه جلال الدين داحضاً عيَّه بقوله: "بل العرب ما وضعت الأسد اسماً لعين الرجل الشجاع، بل اسم العين في حق الرجل هو الإنسان، ولكن العرب سمت الإنسان أسداً لمشابهته الأسد في معنى الشجاعة؛ فإذا ثبت أن الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساماً معقولاً إلى هذين النوعين؛ فسمينا أحدهما حقيقة، والآخر مجازاً، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة. وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني. ولهذا، لا يفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة. وإنما ينصرف إلى الرجل بقرينة، ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولاً واحداً."(41) وقد التزم السيوطي أن يكون لكل مجاز حقيقة، ولم يفعل ذلك بالحقيقة. إذ المجاز من الحقيقة كالفرع من الأصل. لكن الفرع بطبعه أبلغ من أصله لقدرة المجاز على عبارة تقبع عندها الحقيقة عاجزة. وإلا فلا بلاغة للمجاز إذا حلت الحقيقة وأغنت عن طلبه. بعد كتابه (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، عاد السيوطي فدرس هذه القضية في كتابه الثاني (الإتقان في علوم القرآن)، وتعمد تكرارها في كتابه الثالث (معترك الأقران في إعجاز القرآن)؛ حيث عدها الوجه الثالث والعشرين من جملة أوجه الإعجاز القرآني. كما أشار إلى تلخيصه لتصنيف الإمام عز الدين بن عبد السلام، سماه (مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن).(42) هذا يدل على مدى اهتمامه بالمسألة، وأخذ الناس على الفراغ من اللجج فيها، والركون إلى جوهرها، وغض الطرف عن أعراضها. فهو عين الصواب، وغيره محال. والعربية: عذراء الجزيرة، في غنىً عمن يصون عرضها، ويرد عن خدرها هجمة الهمج. لها شجاعتها، لا يعييها الذود عن حرمته. وإنها لتمسي وتصبح تصدح بصوت حالها: إنما الحقيقة والمجاز سواران من الزبرجد أتحلى بهما. فهذي الموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج، حقائق في الشرع، مجازات في اللغة (43). وكفى بهذا سلاماً. -الخاتمة: ما من قضية عرضت سبيل التراث العربي إلا وكانت حبلى الدين، سيان أن تكون نقداً أو نحواً أو فقهاً أو حكمة... فهناك – في النقد مثلاً – قضية اللفظ والمعنى، وهاك قضية الطبع والصنعة، وهاك قضية الإبداع والاتباع، ثم هاك قضية الحقيقة والمجاز؛ موضوع بحثنا. لقد خص الله العرب من بين الأمم بوحي القرآن إعجازاً بيانياً أفحم ألسنتهم وغض من لسنها العتيد، ورد سيوف جاهليتهم إلى غمدانها بعدما نال الإخفاق الذريع من كيدهم وجعله في نحورهم، فلم يروا، حينئذ، بداً ولامناص لهم من الاستكانة والرجوع القهقرى مطأطئين رؤوسهم من كبر أجوف خنوعاً وإذلالاً لرب هذا الكلام الغريب الأطوار. فحسبهم، إذن، أن ينكبوا على آيه تذوقاً لشهد لا يغيض، وتجواباً في سرح لا يبيد. في غمرة هذا المناخ المفعم بنفحات العقيدة السمحاء، نشأت قضية الحقيقة والمجاز، واشتد عودها وقد لجَّ الناس فيها، وباتوا شيعاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون؛ هذا يقر بأن للغة باطناً لا ظاهر لها، ولهذا سمي بـ "الباطنية"، وهو نعت كان يعرف به المعتزلة الذين كانوا يترصدون ما وراء الألفاظ ولا يقفون عند حدود ظاهرها، وذاك يقر بأن للغة ظاهراً لا باطن لها، وهو الذي كان يعرف في تاريخ الفكر الإسلامي بـ "الظاهرية" تارة، وبـ "الرافضة" تارة أخرى؛ لأنهم كانوا يتحرجون ويرغبون عن كل تأويل يريد الآيات القرآنية، ويرجئون ذلك إلى الله، فهو وحده من له قدرة تأويله بدليل قوله تعالى: (و لا يعلم تأويله إلا الله) (44)؛ وذلك يقر بأن للغة ظاهراً كما لها باطن، فهو فريق معتدل بين ذينك الفريقين؛ لم يغل كل الغلو كما فعل الأول، ولم يتعصب كل التعصب كما بدا الثاني، بل آثر الأمر الوسط فقال إن اللغة حقيقة ومجاز. وهذا ما يؤازره أحد النقاد اليوم وهو د.عبد القادر حسين في كتابه (المختصر في تاريخ البلاغة) قائلاً: "لا شك أن قضية الحقيقة والمجاز قد شغلت العلماء زمناً طويلاً ما بين منكر المجاز كليةً أو مصدق له تماماً، ولكننا في كل ذلك نشعر بمدى التكلف الذي تورط فيه من ينكره كليةً كابن تيمية، ومن يبالغ في وجوده ويغرق اللغة كلها في المجاز كابن جني. وأعدل الآراء في هذه القضية رأي ابن الأثير لتمشيه مع المنطق السليم، وعدم الجنوح نحو هذا الطريق أو ذاك. وقوله هو القول الفصل حين يقول: "إن كلا المذهبين فاسد عندي، وليست اللغة كلها مجازاً، ولا كلها حقيقة، وإنما فيها الحقيقة والمجاز"(45) ولم يكن ابن قيم الجوزية إلا لسان شيخه ابن تيمية، ولم يكن السيوطي إلا مهتدياً بنجم ابن الأثير. غير أن هذه القضية لم تحظ بما ينبغي لها من التحليل والاستنباط، وذلك نتيجة سببين أساسيين: 1-فهي قد خضعت لويل النزاعات المذهبية الذاتية، فانتفت عنها سمة الموضوعية، مما قعد بها عن بلوغ درجة العلمية. 2-إن الذين طرقوها من علمائنا الأفذاذ لم يخصصوا لها كتاباً مستقلاً بعينه كما لو أنها كانت لديهم مجرد وسيلة لغاية لا غاية في ذاتها. من هنا، سيكون لزاماً علينا توسل ما أحدث من مناهج علمية صارمة قصد السمو بها إلى حيث لا تلحقها يد الأهواء والشكوك. ولا محالة أن هناك من سلك هذا السبيل، لكن، رغم ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: ما هي القيمة العلمية لهذه الدراسات؟ هوامــش: 1-لسان العرب، المجلد الأول، ص ص 531، 532 2-المصدر نفسه، ص ص 680، 682 3-أسرار البلاغة، ص 303 4-المصدر نفسه، ص 304 5-أنظر الخصائص، ج 2، ص 442/العمدة، ج 1، ص 266/مفتاح العلوم، ص ص 358، 359/الإيضاح في علوم البلاغة، ص ص 392، 394/المثل السائر، ج 1، ص ص 84، 85. 6-الإيمان، ص 88 7-شوقي ضيف في كتابه (البلاغة تطور وتاريخ)، ص 56/أحمد أبو زيد في كتابه (المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن)، ص 171/ولطفي عبد البديع في مقاله "دراما المجاز"، ص 99 من مجلة فصول، ع 2، 1986 8-الحيوان، ج 4، ص 206 9-البلاغة تطور وتاريخ، ص 35 10-المنحى الاعتزالي، ص 49 11-ج 3، ص 95 12-الصورة الأدبية، ص 74 13-المنحى الاعتزالي، ص 167 14-سورة الصافات، الآيات 63-65 15-المنحى الاعتزالي، ص 234 16-المجاز وأثره في الدرس اللغوي، ص 136 17-المثل السائر، ج 1، ص 89 18-الحيوان، ج 5، ص 426 19-المتكلم بلسان حالهم. 20-كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، أما أبو حنيفة فكان من أهل الرأي. 21-المجاز وأثره في الدرس اللغوي، ص 130 22-ابن جني ممن يقول باصطلاحية اللغة. 23-ص 444. هذا واحد من الأمثلة التي ضربها ابن جني من القرآن والحديث والشعر وكلام العرب في خصائصه، ج 2 24-25-الخصائص، ج 2، ص 448 26-العدل ثاني أحكام الاعتزال الخمسة؛ وهي: العدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 27-المصدر نفسه، ص 449 28-المصدر نفسه، ص 451 29-سورة النساء، الآية 164 30-سورة يوسف، الآية 76 31-الخصائص، ج 2، ص 457 32-مختصر الصواعق المرسلة، ص ص 231، 232 33-المصدر نفسه، ص 283 34-المصدر نفسه، ص 287 35-سورة الأعراف، الآية 3 36-سورة الطلاق، الآية 8 37-مختصر الصواعق المرسلة، ص 290 38-نفس الرأي نجده من قبل السيوطي لدى ابن قتيبة (ت 276 هـ) ي كتابه (تأويل مشكل القرآن)، ص 132، ولدى ابن الأثير (ت 237 هـ) في كتابه (المثل السائر)، ص 84، 89. 39-المزهر، ج1، ص 364 40-المصدر نفسه، ص 365 41-المصدر نفسه، ص 366 42-الإتقان، ج 3، ص 109 43-المصدر نفسه، ص 126 44-سورة آل عمران، الآية 7 45-المختصر في تاريخ البلاغة، ص 80
|
العنوان الإلكتروني - URL للرابط التفاعلي بين المدونات - trackback: http://www.adablogs.com/trackback/92
|