أجلس وحيدا بشرفة منزلي بعد أن انفض الجميع من حولي ، تقتلني الوحده ، فالمنصب كان له سلطته وهيبته ، حرس كثيرون وشعور بالأمان ورتب يتمنون نظرة لا أمر يتفوه به لساني . الجو أصبح باردا والشارع خلا من الماره ، والسماء ملبدة بالغيوم استعدادا لهطول المطر . الجو يشعرني بالخوف ، أغلق باب الشرفه جيدا وأتأكد من غلق جميع الأبواب بالترابيس وأنادي علي الحرس الخاص والخفر ليكونوا علي يقظة تامة لكي أنام . أطفئ جميع الأنوار وأتمدد في سريري وأسحب الغطاء علي جسدي فأنتبه منفزعا عندما أجده يجلس علي حافة سريري ، ضخم ، يرتدي سترة سوداء طويلة ، لولا شعاع الضوء النافذ من باب الشرفة ما رأيته . لا أستطيع أن أحدد ملامحه من الجانب الا أنني أتذكره في تلك الليلة التي لا أنساها ، رعبت منه فكان أول مرة يأتيني ، جريت أمامه فكان كظلي لا يفارقني بقدر الخطوات ويسألني بلهجة شديدة : لماذا هدمت بيت السيدة ؟ فأسرع في الجري عندما أشعر بشئ خلفي كأن سوطا يرفعه استعدادا ليضربني به وأصرخ ... كنت أريد أن أبني عماره مكانه لابني . وهي وبناتها أين يذهبون ؟ لا أدري ....... لا أدري . يشتد صوته الذي يميتني خوفا : لماذا سجنت جهاد ظلما ؟ لا أدري ..... لا أدري
أخذتني قدمي وأنا أجري أمامه الي أطراف البلدة ، دخلت في شارع يقسم المقابر الي نصفين ، الضباب كان هناك يحيل دون الرؤية ، غطي كل شئ حتي المقابر التي أصبحت عباره عن أكوام بيضاء يغطيها ندف من الصقيع ، لم أتحمل مسافة الجري ولا التركيز في الرؤية فارتطمت بشجرة سدر ضخمة أمام مقام العارف بالله سيدي علي ، تشبثت بمقامه . شعرت بدبيب خطواته نحوي ، صوته يعلو ، يصيبني بالتوتر ، بل بالجنون . وقف أمامي كالمارد فاسودت الدنيا في عيني وناداني قائلا : يا ظالم . لم أشعر بي من لحظتها الا وتوقظني الشمس ونعيق الغربان في الصباح .
ترك حافة سريري ، وأخذ يتجول بغرفتي ، دبيب وقع قدمه يشعرني بالخوف ، بل بالجنون ، يتوجه صوب ملابسي ، يتطلع الي النياشين ، أصرخ بأعلي صوتي من أنت ؟ بسخرية يكلمني دون أن يلتفت الي ، أما زلت لا تعرفني !!!!!! صوتك ليس غريبا علي ، أشعر وكأنني سمعته قبل ذلك . أنتفض لأوقد الضوء بحجرتي عساه يرحل ، فعلت ، لكنه ظل واقفا ، يلتفت الي بوجهه ، أحدق به لأجده يحمل كل ملامحي لكنها صارت بصورة بشعة للغاية ومخيفة ، لم أبالي به وجريت الي المرآه مسرعا فكانت اخر خطوات لي في الحياه .