سؤال حيرني كثيرا وأنا أنظر الي معركة المبدع مع المجتمع وهو من الخاسر؟ المجتمع أم المبدع، فقرأت كثيرا في سير القدامى ممن أحرقوا أعمالهم سواء أكانت علمية أم فنية ودوافعهم النفسية التي أدت الي ذلك وأصابتني الابتسامة وأنا أقرأ عن تاريخ عميد الأدب العربي طه حسين وهو يحكي عن حرمانه من دخول الجامعة لأنه دون المستوي وعن الشاعر ابراهيم ناجي صاحب الأطلال الذي كرم بعدما مات باثنا عشرة سنة وعن حبيب الشعوب الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وعن المؤتمرات والندوات الأدبية التي تعقد ويصف جميع المسؤلون الكتاب الموجودون بالساحة بالضعف وأن مستواهم لا يرقي الي مستوي الكتاب القدامى، وظلت أتساءل ما السر الخفي الذي يجمع بين كل تلك المتناقضات؟ فكلها تربطها علاقة متشابهة وتجمعها منظومة واحدة وظلت أفكر في احتمالات كثيرة منها احتمالية أن تكون القوة التي تحركنا ليست قوة عقولنا جميعا ولكنها قوة نابعة من عدد قليل من العقول تحركنا نحو المستقبل ببطء واهتزاز وهذا ليس ناتج عن قصور في ذاتها وفقط بل الأكثر ناتج عن عدم الاستغلال لباقي القوة. أو أنه طبيعة فينا كعرب أننا لا نؤمن بفكرة العمل الجماعي ولا نحب أن نعطي أحدا حقه إلا بعدما يموت وأننا لا نؤمن بفكرة فصل مصالحنا الشخصية عن مصالح مجتمعنا ووظيفة كراسينا.
ولعل كل هذا يؤخرنا كثيرا فلو أننا لم نعترف بالمبدع ونرعاه هو وكتاباته وهو في سن صغير حرمنا المجتمع من فائدته وعطاءه، ونشرنا لأعماله بعد مماته إن كان يفيد الأدب كتراث فلن يفيد المجتمع كقيمة مغيرة لاتجاهاته السلبية أو قيمة مفيدة لوضع يفترض أن يكون، فالعجيب أن نجد تكريم لكاتب قد مات ومدح في جميع الصحف ولم نسأل أنفسنا للحظة هل اعترفنا بكلماته وبفكرته في التغيير ؟ بالطبع كنا نحاربه وهو موجود لأن أفكاره تصطدم بطموحات شخص فصار وضعنا لأجل أن يعيش شخص مرفه يموت ملايين وتموت فيهم الطموحات والآمال والمستقبل.
ونعود لنري أن الخاسر الأكبر هو المجتمع ككل وأن أي عقل يستطيع من موقعه أن يتحكم بما أوتي من قوة في اقتراف جريمة في حق مبدع فهو بمثابة اقتراف جريمة في حق المجتمع ككل، وكم من المجرمين طلقاء.