|
قد لا تمنع اختلاف الرؤى والتصورات حول مفهوم الشعر ورسالته من أن يتجاوز المرء ذاته ومفاهيم ليحلق في أفق غير أفقه فالاختلاف لا يفسد للود قضية .... إن تحسس الصدق والحرارة في تجربة شعرية كاف لأن يشرع في وجه محب الشعر البوابة على مصراعيها ليدخل منها أنى شاء ويحلق في أي أفق شاء . ولأني أومن بأن آفاق الشعر ليست وقفا على ذي جناح دون آخر , كما هو شأن الموقوفات الأرضية من غرف الشعر وبيوته وداراته ... فإني أجد كل اللذة في أن أقرأ برحابة صدر وسماحة روح تجارب الآخرين ... لا فرق لدي بين امرىء القيس وإليوت , ولا بين الخنساء وفاطمة , ولا فرق لدي بين بين الشباب من الشعراء والكهول ... إذ لا اعتبار عندي لتصنيفات الشكل والزمن ولا لتصنيفات السن التي هي وجه من أوجه الأقصاء الشعري وهو في تقديري نتيجة حتمية لتلك الطبقية الشعرية المفتعلة التي أفرزتها حساسيات رديئة ومحسوبيات مقيتة أفسدت الثقافة والشعر خصوصا فروجت لعمرو ضد زيد واختلقت جدارات برلينية ومعسكرات شعرية طمس جنودها المزيفزن جوهر الحقيقة وكل ذلك يتكفل التاريخ بنخله وغربلته ليذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس ولقد دأبت على أن أجد نفسي ملاحظا تلقائيا لا يزج بنفسه في وليمة ثقافية ولا يتذوق من الشعر إلا أنقاه وأصدقه في ساحة الشعر الرحبة التي لا يحرسها بواب ولا يقف عند بوابتها سدنة ولا حجاب يدفعني إلى ذلك الحب الشعري وإخلاص صادق لذويه على اختلاف إتجاهاتهم بهذا الدأب التلقائي قرأت شاعرتنا تشق في نحوها حرارة الكلمة وعفوية الصياغة وصدق العاطفة يبدو شعرها وثيق الصلة بذاتها وتبدو ذاتها قنبلة موقوتتة تتفجر في سيولة تعبيرية نادرة قل ما تأتي إلا لمن عصرته المعاناة وهصرته التجربة وبين لمحة الأيجاز وبارقة الفكرة وسلاسلة العبارة تقرأ سطورا طويلة لم تكتبها الشاعرة تنبثق من ثالوث نفسي كان سببا في اغتراب الأقاحي إنه ثالوث : الذات - الألم - التحدي
وحدي والشجن ساعة القدر لا صديق ... لا رفيق غير هذا الطريق المعبد بالآهات والجرح بحر / أمواج تقطع الأنفاس الوردية مابين المد والجزر تافه هو عنادك لحظة القرار الصعب المضمخ بالوعود وسيزيف بداخلي يشاكس ألحان البرد *
هذا بوح من بوح الأقاحي لحظة الاغتراب وقد سبقه بوح أول مشترك بين الشاعرة وبعض زملائها من خيرة الشعراء تحت عنوان غدائر البوح . ويبدو مشروعها الثاني واعدا بتأسيس شعري له قيمته تؤثثه لبنات أكبر صلابة . ولا تسأل نفسك وأنت تقرؤه عن ماهية الشعر أو ميلاده ولا عن شكله ودروه لأنك تكتفي بالإصغاء إلى صوت حميمي , يبادهك من الأقاحي أو من ذاتك أو من الشاعرة ... صارخا : أنا الشعر , والشعر فقط .. فاقرئني ... وتلمسني تجد إشراقة من إشراقاتي الأبدية الجميلة .
* مقطع من مرثية على قبر هابيل ص 51
أمينة المريني
|